رسالة إلى الوالد

$15.48

للكاتب فرانس كافكا

لا يعلم معظم الآباء ما يحملهُ لهم أبناءهم من عواطف جياشة وتقديس لا حدود له، يبدو الأب في نظر بعض الأبناء وكأنه نبي أو إله أو كائن أعلى، ، قدوة ، كائن رهيب، ومخيف أحياناً ..
أنا أسأل مثل كافكا، كيف يمكن لرجل وهو بكامل قواه العقلية أن يتحمل مثل هذه المسؤولية المخيفة ، أن يزرح تحت هذا الضغط الهائل ، أن ينظر له الطفل ذلك الكائن بسيط الشفاف، وقد جاء لتوه ليتعرف على العالم على أنه الرجل الوحيد القادر على كل الأشياء، أن يكون بهذه القسوة وهذا التزمت وكمصدر للرعب في داخل المنزل ..
كيف للرجل ان يتحمل مسؤولية الأبوة وهو غير واثق بنفسه، وهو ضعيف الشخصية ، محب للتسلط والإستعباد ..

العلاقة بين كافكا وأبيه بالغة التعقيد، يكتب كافكا هذه الرسالة إلى والده، يجتر ذكرياته السابقة معه، يستحضر ذكريات سيئة للأسف، ما كان لطفل حساس وإنعزالي وذكي أن يعيش مثل ذلك، أن يعاني كل تلك القسوة والإهمال والإحتقار والنظرة الدونية، هيرمان كافكا هو ذلك الأب الذي يمارس ابوته بشكل فضيع، حاد، وكأنه وحش مسلط على ذاك الصبي، الأمر لا يتعلق بالضرب فقط، أنت لا تكون قاسياً حينما تضرب فقط، بل القسوة أحياناً تظهر في تعاملك مع الإبن، في الإحتقار، في تهميشه، وكأنه لا أحد، وكأنه شيء غير مرغوب به في العائلة، أنت تريد أن يتكون طفلك ويصبح رجلاً كما تريده أن يكون بالضبط، بالمقاس الذي تحدده، أن يشبهك تماماً، أن لا يحيد عن الطريق الذي رسمته حضرتك له، هذه هي اللعنة بحق، يحكي كافكا كيف أنه كان عليه أن يفكر في إتخاذ أصغر قرارات حياته، ليس خوفاً، بل ترقباً لما يمكن أن يصدر من الوالد، من رفض الوالد بدون أي مبرر واضح، عاش كافكا منذ طفولته وهو ساخط ، ساخط ومتكتم وخجول، يميل إلى معاتبة نفسه على أخطاء لم يرتكبها، إلى الخوف من المستقبل .. الزواج، كان والده عائقاً حتى أمام زواجه، ليس معنوياً فحسب، بل حتى نفسياً، كان مقيداً بأشياء لا يستطيع أن يبعد تفكيره عنها، أن يفشل قبل أن يبدأ، حطم الوالد شخصيته، فأنت حينما تُعاير شخصاً أو طفلاً بإنعزاليته فأنت بذلك تزيد من إنعزاله، ستكون ردة فعله أن يقبع في مزيدٍ من الوحدة .. لقد تعلم من والده أنه دائماً على خطأ، فقد ثقته بنفسه وبطموحاته، كيف لطفل كهذا أن يكبر ويعيش حياته على نحوٍ طبيعي من دون أن يخطر له ألف مصدر للقلق والتردد، كانت ذاكرته عالقة بشيء واحد، هو قسوة الأب ومعاملته له، لم يكتب في رسالته أي شيء يدل على علاقة جيدة بوالده، لقد كان حانقاً، لنقل حانقاً بطريقة أدبية رزينة، ساخطاً على نحو ما يكون الإنسان المتعب من الألم، الفاقد للمعنى وراء ذاك العتاب المختبيء وراء كل تلك السنوات..
لكن الميزة الوحيدة من كل ذلك أنه خلق لنا ذلك الكافكا الذي نعرفه، السوداوي، الكاتب العظيم، ربما من قلب كل مأساة تولد عظمة الإنسان، ولكن ليس دائماً بالتأكيد ، ولا أحد من حقه أن يخلق مأساة، مهما كانت الدوافع والنتائج، لا يحق لإحد أن حياة طبيعية لإنسان طبيعي بتلك الطريقة المستفزة ..
ولحد الآن لا أستوعب لماذا يكون بعض الآباء فظين مع أبناءهم بالذات بصورة غير مبررة تماماً وكأنه يعاقبه على مجيئه للحياة بكسر شخصيته وتحطيم مستقبله ..

رسالة كافكا رغم أنها كانت موجهة لوالده وتحكي الكثير عن حياته الخاصة إلا أنها كانت تعبر عن حيوات أخرى، عن آباء آخرين، عن كافكوات آخرين تعرضوا لنفس الأمر وإن كانت التفاصيل الجانبية تختلف، رسالة مدهشة عبر فيها كافكا بكل ما يجول بخاطره، بذكرياته ، بعالمه القديم الذي كان يعذب ضميره بإستمرار لإنه لم يتحدث عنها قبل ذلك بكل تلك الصراحة، وحتى ذلك الحين هو في السادسة والثلاثين من عمره لم يستطع كافكا أن يوجه لوالده ذلك اللوم والعتاب مباشرة وجهاً لوجه، لدرجة انه حول كل ما كان يفكر به في رسالة صاغها على ذلك النحو المبدع، بذلك القلم العنفواني، في الوقت الذي ما عاد اللوم ينفع في شيء ..

مع الأسف، الرسالة التي كتبها كافكا لم تصل للوالد، بعد أن طلب من والدته تسليم الرسالة للوالد، رفضت ذلك وأعادت الرسالة إليه، لا أدري هل خوفاً عليه من ردة فعله والده أم ماذا، المهم أنه قام بطبعها بعد ذلك، ونشرها أخيراً ماكس برود صديق كافكا بعد وفاته ..

الكمية :

معلومات عن المنتج

الكاتب

فرانس كافكا

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “رسالة إلى الوالد”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.